الشنقيطي
455
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) [ 26 - 27 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا ، وأن المسؤول عنهم يقول للسائل : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ ، أي في دار الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) أي خائفين من عذاب اللّه ، ونحن بين أهلنا أحياء فمنّ اللّه علينا أي أكرمنا ، وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا فهدانا ، ووفقنا في الدنيا ووقانا في الآخرة عذاب السموم ، والسموم النار ولفحها ووهجها ، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام ، والجمع سمائم . ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ : أنامل لم تضرب على البهم بالضحى * بهن ووجه لم تلحه السمائم وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد ، ومنه قول الراجز : اليوم يوم بارد سمومه * من جزع اليوم فلا ألومه الفاء في قوله : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ، تدل على أن علة ذلك هي الخوف من اللّه في دار الدنيا ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب اللّه في دار الدنيا ، سبب للسلامة منه في الآخرة ، يفهم من دليل خطابه ، أعني مفهوم مخالفته أن من لم يخف من عذاب اللّه في الدنيا لم ينج منه في الآخرة . وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحا في غير هذا الموضوع . فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من اللّه سبب العذاب يوم القيامة ، وذلك في قوله وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) [ الانشقاق : 10 - 14 ] الآية . وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل ، فقوله : إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) ، علة لقوله : فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) . والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشقق ولا خائف ، ويؤيد ذلك قوله بعده : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) ، لأن معناه ، ظن ألن يرجع إلى اللّه حيا يوم القيامة ، ولا شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقا في أهله خوفا من العذاب ، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء ، وكون لن يحور ، بمعنى لن يرجع معروف في كلام العرب ، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبيّ : أليلتنا بذي حسم أنيري * إذا أنت انقضيت فلا تحوري فقوله : فلا تحوري ، أي فلا ترجعي .